من روائع مافسر ابن القيم الجوزية رحمه الله قول الله تعالى :
﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ﴾
قال الامام ابن قيّم الجوزية رحمه الله
وهذا عامٌّ في جميع الخلق امتحن بعضهم ببعض فامتحنَ الرُّسُلَ بالمرسَل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم وتحمُّلِ المشاقّ في تبليغهم رسالاتِ ربِّهم
وامتحنَ المرسَلَ إليهم بالرسُل وهل يطيعونهم وينصرونهم ويُصدّقونهم ؟
أم يكفرون بهم ويرُدّون عليهم ويقاتلونهم ؟
وامتحنَ العلماءَ بالجهّال هل يعلِّمونهم وينصحونهم ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ولوازم ذلك
وامتحن الجهالَ بالعلماء هل يطيعونهم ويهتدون بهم ؟
وامتحن الملوك بالرعية والرعية بالملوك
وامتحن الأغنياء بالفقراء والفقراء بالأغنياء
وامتحن الضعفاء بالأقوياء والأقوياء بالضعفاء والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة
وامتحن المالكَ بمملوكه ومملوكَه به
وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به
وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال
والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين
وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم وامتحن المأمورين بهم
ولذلك كان فقراءُ المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنةً لأغنيائهم ورؤسائهم امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسُل وقالوا : ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ هؤلاء وقالوا لنوح عليه السلام :
﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾
قال تعالى :
﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾

فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ المسكينَ الذليلَ قد سَبَقَهُ إلى الإيمان ومتابعةِ الرسول حَمِىَ وأنِفَ أن يُسْلِمَ فيكون مثله!
وقال: أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء ؟!
قال الزَّجَّاج : كان الرجلُ الشريفُ ربما أراد الإسلام فيمتنع منه لئلا يقال : أسلم قبله من هو دونه فيقيمُ على كفرهِ لئلاّ يكون للمسلم السابقةُ عليه في الفضل
ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة :
أن الفقير يقول : لِمَ لَمْ أكنْ مثل الغنيّ ؟!
ويقول الضعيف : هلاَّ كنتُ مثل القوي ؟!
ويقول المبتلَى : هلا كنتُ مثل المعافَى ؟
بدائع التفسير للامام ابن القيم (ص2/257)


fuq;l gfuq tjkm L hfk hgrdl hg[,.dm