استشارتني امرأة في عناد طفلتها فقلت لها أحضري ابنتك لأتعرف عليها ، *فاستغربت من طلبي إلا أنها أحضرتها ، فرأيتها تبلغ من العمر سبع سنين فقلت لها : يا ابنتي ما معنى العناد ؟ فسكتت ، ثم سألتها مرة أخرى فنظرت إلي وأشارت بإصبعها إلى أمها ولسان حالها يقول إذا أردت أن تعرف العناد فتعرف على أمي , فالتفت إلى أمها وكانت مستغربة من جوابها وكيف أنها أشارت إليها تصفها بأنها هي العنيدة .

فقلت للأم : اعلمي أنه لا يوجد طفل عنيد , ولكننا نحن نعزز العناد عند أطفالنا ، فالطفل مرآة لوالديه يصور سلوكهما في عقله ثم يقلدهما تماما ، والعناد معناه التصميم على الرأي وهو يبدأ من سن الثانية من عمر الطفل فيخالف قول والديه حتى يفرض نفسه ويثبت شخصيته ، فإذا استجبنا له نكون قد عز*** العناد عنده ، وصار طبعا ثابتا ونكون نحن السبب في تربيته على العناد ، وإن أحسنا استيعابه وتوجيهه وعلمناه الحوار والمرونة والالتزام بالحق فإنه ينشأ غيرعنيد ، وهذا هو عناد الصغار أما الكبار فعنادهم مختلف .

*ومرة سألتني زوجة كيف أتعامل مع زوجي العنيد ؟ فقلت لها لابد أن نفرق بين نوعين من العناد : الأول نسميه (عناد الموقف) وغالبا ما يكون مؤقتا بناء على ردة فعل من موقف معين تجاه الزوجة ، والزوج في الأصل ليس عنيدا ، والثاني نسميه (عناد الطبع) وهو أن يكون عناده قد نشأ عنده منذ الصغر وهذا علاجه صعب ويأخذ وقتا طويلا ويحتاج لصبر ، على خلاف الأول فعلاجه بسيط ويكون بالاعتذار أو تغيير الموقف .

عناد الطبع هو المتعب والمؤذي وله عدة حلول إلا إنها كلها تحتاج لنفس طويل ، منها الحوار والإقناع بموقفه الخاطئ أو إعطائه حبا وعطفا ، أو تبني سياسة الشوري في اتخاد القرارات العائلية فنشرك الأبناء معنا في اتخاد القرار أو نتعامل معه بذكاء وهدوء فلا نعارضه إلا بعد مرور زمن وتوقف عاصفة العناد * أو مصارحته بعناده لعله يرجع عن مواقفه المتصلبه .

ثم قلت للأخت السائلة : إنه ليس كل عناد سيئا ، لأن العناد هو التصميم على الرأي فأحيانا يكون التمسك بالرأي صحيحا وهذا عناد إيجابي ، مثل موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما تمسك برأيه في حروب الردة وخالف الصحابة كلهم ولكنه موقف صحيح ، كما أن عناد النفس الأمارة بالسوء عناد إيجابي فلا يستجيب لها صاحبها عندما تأمره بالشر والسوء ، أو عناد النفس عندما تدعو صاحبها للراحة وترك الصلاة فلا يستجيب لها ويعاندها ، فهذا النوع من العناد نشجعه ونرغب فيه .

ونستطيع أن نشجع أطفالنا من الصغر على العناد الإيجابي ، ومثاله عندما نرى الطفل يجلس ساعات طويلة لإصلاح لعبته ، فهذا موقف جيد *نشجعه عليه لأنه يقوي عنده الإرادة والتصميم على تحقيق الهدف *، ولكن عندما يصمم الشخص على رأيه المخالف للمنطق أو الشرع أو من باب (خالف تعرف) فهذا العناد المقيت وهو العناد المرَضيّ .

وأذكر أن رجلا قال لي مرة : إن امرأته عنيدة من زمن بعيد وأنه تعب من عنادها ، فقلت له أوصيك بثلاث قواعد مهمة في التعامل معها ، الأولى أن تكون أنت واثقا من نفسك وقدراتك حتى لا يؤثر عنادها عليك ، والثانية أن تفصل بين ذاتك وأفكارك حتى لا تتخذ موقفا شخصيا تجاهها فتتحول محبتك لها إلى كراهية ، والثالثة أنك تستمر بالدعاء وأنت تعالج المشكلة .

ومنذ يوم سألني شاب كيف أتعرف على مخطوبتي إن كانت عنيدة أم لا ؟ فقلت له : اسأل عن صفات ستة الأولى هل تتجاهل الرأي الآخر ؟ والثانية هل ترفض المعلومات الصحيحة ؟ والثالثة هل هي معتدة بنفسها ؟ والرابعة هل تنفذ المطلوب منها ببطء ؟ والخامسة هل تلوم الآخرين إذا لم يسمعوا كلامها ؟ والسادسة هل تعمل ع** المطلوب ؟

علما بأننا لا نستطيع أن نغير العناد الطبعي بنسبة مائة بالمائة لكن لو غيرنا نسبة بسيطة فهذا إنجاز جيد ، ونستمر في زيادة النسبة مع مرور الزمن ، والأمر الأخير أننا عادة نتهم الآخر بالعناد ولكن هل فكرنا يوما أن نسأل أنفسنا ربما يكون هو على حق !‏

كتبه الدكتور جاسم محمد بندر المطوع*
ماجستير في (الأسرار الزوجية من خلال القرآن والسنة النبوية).
الدكتوراه في (منهج التربية القيادية للطفل) .‏



hgukd] (hgvhs hgdhfs) >> ;dt kjuhlg lui ???