ظهرت في هذه الأيام دعوات و شعارات أنه لا عيد لنا بسبب الظروف التي نعيشها في سوريا…, فما توجيهكم في هذا ؟
الجواب :
بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه .
أما بعد :
العيد : اسم لكل ما يُعتاد ويتكرر وقوعه ، وترتبط إقامة الأعياد بالفطرةٍ التي فطر الناسُ عليها ، فالبشر بفطرتهم يُحبون أن تكون لهم مناسباتٌ ومواسم يُظهرون فيها الفرحَ والسرورَ .
والمسلمون لهم عيدان في السَّنَة شرَعهما الله تعالى لهم : عيد الفطر ، وعيد الأضحى .
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا قدِم المدينة وجدهم يحتفلون بعيدين ، فقال صلى الله عليه وسلم : « كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا ، وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا ، يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ » رواه أبو داود .
وللعيد في الإسلام حكم جليلة ، وعبر عظيمة منها :
أنه يوم شكر من العبد لله على ما وفقه من صيام رمضان و قيامه , قال تعالى : { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.
أنه يوم يُحسِنُ فيه الغنيُ للفقير بزكاة الفطر , فيدخل السرور و الفرح بذلك إلى قلب الفقير ويُغنيه عن السؤال , عن ابن عمر رضي الله عنه , قال : (( فرَضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زَكاةَ الفِطرِ , وقال : « أَغنُوهُم في هَذَا اليومِ » )) رواه الدار قطني .
أنه يوم يتزاور الناس فيه ، ويصِلون أرحامَهم ، ويتناسون خلافاتهم , فتتوطد أواصر المحبة والمودة فيما بينهم .
أنه يوم سرور يُشرع للمسلم فيه أن يفرح ، فالصائم يتعبد الله بفرحه لفطره و إتمام عبادته , قال تعالى : { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون }.
أنه يوم زينة ، فيلبس المسلم الجديد من الثياب ، ويأكل الطيّب من الطعام إظهاراً لنعمة الله عليه دون إسرافٍ ولا مخيلةٍ ؛ قال تعالى : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }.
وإن قول البعض : ( لا عيد لنا ) قولٌ غيرُ صحيح ، لأن ما شرعه الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من سننٍ وآدابٍ , هي عبادات وشعائر ين*** إحياؤها ، وإدراك مقاصدها ، واستشعار معانيها , فيُستحب للمسلم أن يقوم بها في هذا اليوم ، فنفرح بالعيد لأننا أطعنا الله تعالى ، وفي الحديث : « لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ : فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ » متفق عليه .
وفعل أحدنا لها لا يتنافى مع حزنه ومشاركته لأحزان المسلمين ومصائبهم ، بل قد يكون ذلك من أسباب الفرج والنصر لنا , لأننا ما قُمنا بها إلا طاعة لله وامتثالاً لأمره سبحانه , قال تعالى : { إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }.
فالعيد شِرعةٌ من الله تعالى , ولا يحقّ لنا أن نوقف العمل بها أياً كان السبب , حتى ولو كان القلب يعتصر ألماً وح***ً لمُصاب أهلنا في الشام وفي غيرها من بلدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها… .
ولقد عايش النبي صلى الله عليه وسلم مصائب كثيرة , وفقد من أحبته ولده إبراهيم وعمه حمزة وغيرهم رضي الله عنهم , ولم يرد عنه ما يدل على تركه الفرح بالعيد , لا هو ولا أصحابه رضي الله عنه .
ولو كانت الأعياد تُلغى بسبب المصائب ، لما كان لنا عيد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، فموته أعظم المصائب عند المسلمين ، وقد كان المسلمون على مرِّ العصور يقيمون هذه الأعياد ، ويجتمعون ويوسعون على الفقير والمسكين ، ويترخصون من الأعمال بما لا يرتضونه في غيرها , -كما جاء في الحديث بخصوص لعب جواري عائشة رضي الله عنه : « دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا اليَوْم »- ، يفعلون ذلك حتى في وقت المعاناة أو المحنة ؛ لأن العيد شعيرة من شعائر الله تعالى , وقد قال تعالى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ }.
ولا شيء من أمر الحياة الدنيا يدوم ثابتاً ولا يتغير , ولله الأمر من قبل ومن بعد , يصرف الأمور كما يشاء سبحانه ، يعز من يشاء ويذل ، وليست الذلة والمرارة التي تعيشها الأمة الإسلامية حتماً صارماً لا يزول ، قال تعالى : { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }.

وقد توالت علينا المصائب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم …, ومن أواخرها في عصرنا ****** فلسطين والمذابح التي تجري في بورما ومصيبتنا في سوريا وغيرها من بلدان المسلمين.. .
فالصحيح أن نقول : “ لا عيد لنا بمعصية الله , وإنما عيدنا بطاعة الله وامتثال أوامر , ليتم لنا وعده وينصرنا على أعدائنا “.
** تنبيه :
لقد أفرغ كثير من المسلمين العيدَ من مضامينه الرائعة ، حين حصروا العيد بمظاهره المباحة ، من اللباس الجديد والأفراح وتبادل الزيارات والجلوس إلى الموائد , بل توسع بعضهم للمحرمات دون الحرص على صلة الأرحام , ونسيان الخلافات , وتآلف القلوب .
وما أجمل أن نقيم شعائر الله في العيد ، فنفرح بالعيد لأننا أطعنا الله تعالى ، وفي نفس الوقت نتذكر أن إخوانا لنا في أماكن متفرقة ، قد أصابهم ما أصابهم من البلاء . لكن واجبنا هنا أن نحوّل تذكرنا لمآسي المسلمين إلى عمل واقعي ملموس يزيلها ، فما أجمل أن نعايد أولاد الشهداء والمنكوبين ونكفكف دمعاتهم ونبرهم ونصلهم كما نصل أطفالنا , فالعيد ميدان استباق إلى الخيرات ، ومجال منافسة في المكرمات ، لا نفوته أبداً .
اللهم تقبل منا ومن جميع المسلمين الصيام والقيام , اللهم أعده علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في أمن وأمان .
اللهم بارك لنا في عيدنا وفي شامنا , اللهم كما مننت علينا بفرحة العيد فامنن علينا بنصرة المستضعفين من المسلمين في الشام وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام .
والله تعالى أعلم .


gh ggud]