بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والحمد لله الذي كرم ابن آدم وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
فإن الله جل جلاله جعل التقوى ميدانا واسعا وجِماعُها الامتثال أوامر الله وانتهاء ما عنه نهى جل وعلا.
أيها المؤمنون إنه لا كرامة للإنسان إلا بما كرّمه الله جل وعلا به؛ لأنه سبحانه هو الذي خلقه ?أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ?[الملك:14] جل وعلا أكرم الإنسان وجعل له الحقوق العظيمة، جعل له الحقوق التي بها يصير كريما لأجل صلته بربه جل وعلا.
وإننا ين*** لنا أن نرد كل ما نسمع في هذا الزمن إلى شرع الله جل جلاله، وإلى كتابه وسنة نبي الله المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد كَثُر في هذا الزمان ذكر حقوق الإنسان، وإنها كلمة تردّدت عند أنواع شتى من الأمم، ترددت عند الغربيين وعند الشرقيين، وأيضا أهل الإسلام عندهم حقوق للإنسان.
وهذه الكلمة يظن كثيرون أنها لم تنشأ إلا عند بلاد الغرب والكفر، والله جل جلاله هو الذي جعل للإنسان حقوقا، كما أنه جعل عليه حقوقا والأصل في ذلك قول الله جل وعلا ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً?[الإسراء:70] فالإنسان الذي هو بن آدم كرّمه جل وعلا، وتكريمه يعني أن الله جل جلاله جعل له الحقوق التي بها يصبح كريما من حيث ***ُ الإنسان، لا من حيث كل فَرد فرد من بني آدم.
فالله جل وعلا كرم ابن آدم بأن جعله متصلا بربه جل وعلا فتحرر من عبوديته ل***ه، تحرر من أن يكون عبدا لإنسان مثله أو أن يكون مطيعا في كل شيء لإنسان مثله، فرفعه إلى أن تكون طاعة الجميع لله جل وعلا.
قالوا حقوق الإنسان، وهذه الحقوق ين*** لنا أن ننظر إليها من جهات متعددة بنظر شرعي حتى لا يلتبس على المسلم ما يسمع أو ما يردد حوله، مما يجعله ربما نظر إلى شريعة الإسلام الخالدة أن فيها وفيها مما قد يلقيه الشيطان في النفوس.
إن كلمة حقوق الإنسان معناها أن الإنسان له حق؛ ولكن هذا الحق لا بد أن يعطاه الإنسان.
فأول مسألة من الذي يعطي الإنسان الحقوق؟ ومن الذي يجعل له حقا؟ أو أنه يسلب حقا منه؟
إذا نظرت وجدت أن الغربيين مثلا جعلوا للإنسان حقوقا في ميثاق أصدرته هيئة الأمم المتحدة في سنين خلت، وكانت نظرتهم في حقوق الإنسان كانت نظرتهم نابعة من النظرة الغربية للإنسان بعامة وإلى أنهم يريدون أن يسيطروا على الإنسان، فهذه الكلمة لها ظاهر يغري كل إنسان بقبولها؛ ولكن باطنها يجب أن يُنظر إليه من جهة من الذي يعطي الحق للإنسان؟ هل الذي يعطي الحق للإنسان ويجعل حقوقا للإنسان البشر؟ أم الطبيعة؟ أم أنها الديانات؟ أم أنه الدين الخاتم الذي رضيه الله جل وعلا للناس؟ ?وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ?[آل عمران:85].
نعم إن حقوق الإنسان إذ نظرت إليها من جهة كونها مجردة من الذي يصدر الحق، نظرت إلى أن الإنسان يجعل حقا لنفسه بما يشاء، وهذا لا تستقيم معه الأمور، ولا يصلح، لهذا جاءت شرائع البشر بتنظيم حق الإنسان وفيها سيطرة بعض أجناس الإنسان وبعض الدول على الناس الآخرين.
لهذا تجد في تلك الحقوق المصدَّرة بالمواثيق الدولية تجد فيها استعلاء لبعض الإنسان على البعض الآخر.
أما في الإسلام فإن الله جل جلاله قال ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا?[الحجرات:13]، الناس جميعا لا يفضل بعضهم بعضا إلا بتقوى الله جل وعلا، وهذا ميزان لابد من ميزان يرجع إليه.
إذا نظرت أيها المسلم إلى هذه الكلمة حقوق الإنسان، فإما أن تنظر إليها من جهة حق النفس للنفس؛ يعني حق نفسك لك من دون حق للآخرين، وهذا فسره كثيرون بالحرية، فحين نظروا إلى حق الإنسان لنفسه قالوا هو حر يعمل ما يشاء، وهذه الحرية تكون في جهات:
* في جهة الدين.
* وفي جهة السياسة.
* وفي جهة الرأي.
* وفي جهة المال.
* وفي جهات أخر.
وهذه الحريات التي منها حرية الدين، وفيها حرية الأخلاق، جعلها هؤلاء بحيث إن الإنسان يختار ما يشاء من الدين، ويختار ما يشاء من الأخلاق ويفعل ما يشاء من دون أن يكون ثم مسيطر عليه، وهذا لا يكون مطلقا في أي بلد، إذ الحريات في أي شريعة وفي أي ميثاق لابد أن يكون لها تقييد، إما أن يكون تقييدا قليلا وإما أن يكون تقييدا متوسطا أو كثيرا، أما حرية مطلقة بلا قيود فهذه لا توجد.
إذن فحقوق الإنسان من حيث حريته، لابد أن تكون مقيدة، وفي هذه الشريعة جاءت حقوق الإنسان من حيث حريته مقيدة وليست بمطلقة، ولكن تقييدها بأمور قليلة وهو حر في تصرفات كَثيرة كثيرة.
إذا نظرت مثلا إلى الدين فإنه في لشريعة لا إجبار على أحد أن يغير دينه، فله أن يكون على دين اليهودية مثلا أو دين النصرانية؛ولكن ليس له أن يغير دينه، ولكن ليس له أن يتغير من كذا إلى كذا، وليس لنا أن نجبر ليهودي أو النصراني مثلا على الإسلام، قال جل وعلا ?لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ?[البقرة:256]، لكن ليس من رفعه الله بالإسلام ونجّاه من الشرك وعرض حقيقة الإسلام أن يبدله إلى غيره ليس له أن يرتد عن دينه فإن الارتداد عن الدين ليس إلى الإنسان بل إنما هو حق لله جل وعلا، والله جل وعلا أمر المسلمين أن يثبتوا على دينهم، فمن تركوا دين الإسلام إلى غيره ليس هذا إليه وليس من حريته.
كذلك المسلمون لا يجبرون من ليس على دين الإسلام من أهل اليهودية أو النصرانية لا يجبرونه على الإسلام؛ لأنه إما أن يكون ذميا فيبقى على ذميته بدفع الجزية وإما أن يكون معاهدا أو مستأمنا في الشريعة فإن له الحماية له في ذلك.
فإذن الحرية الدينية وحقوق الإنسان فيها له ذلك؛ ولكن ليس على إطلاقه، ليس للإنسان أن يكون وثنيا؛ ليس للإنسان في الإسلام أن يعبد غير الله جل وعلا مشركا به وثنيا، ليس له ذلك؛ بل لابد أن يرجع إلى الإسلام، لابد أن يسلم ويترك وثنيته؛ لأن تلك الوثنية ليست راجعة إلى شيء من رسالة الرسل ولو بتأويل أو بتقرير.
ولهذا قال العلماء المسلمون في دار الإسلام ليس لهم أن يبدلوا دينهم وقد قال عليه الصلاة والسلام «من بدّل دينه فاقتلوه» وكذلك اليهودي والنصراني في دار الإسلام يعني في غير الجزيرة العربية إذا كان ذميا فله أن يبقى على دينه؛ ولكن بشرط أن يدفع الجزية لحمايته بما دفع.
ثم إذا نظرت إلى الحريات الأخلاقية فإنها بالإسلام ليست مطلقة، لك أن تكون كما تشاء؛ ولكن فيما إذا أغلقت عليك دارك، أما في دار الإسلام وفيما تُظهره ليس لك إلا أن تُظهر الإسلام؛ لأن الحق ليس لك وإنما هو حق عام للمسلمين الذين هم أخص الإنسان ونخبة الناس.
أما إذا أغلق المرء عليه داره فمن أغلق عليه داره فهو آمن وحسيبه الله جل وعلا بشرط أن لا يتعدى ضرره إلى غيره من المسلمين.
إن للإنسان المسلم حقا وعليه حقوقا؛ لكن ليس له في الأخلاق من حق ليغشى ما يشاء، وأن ينتهك الأعراض فيما يشاء، وأن يعبث كما يشاء؛ لأن هذه حقوق للمسلمين بعامة، وليس له أن يقدم حقه على حق المسلمين بعامة، والله جل وعلا أوجب علينا تجاه غيرنا حقوقا كثيرة.
فليس إذن ثم حرية، ليس إذن ثم حرية مطلقة في أن يختار الإنسان ما يشاء من الأخلاق؛ بل إنه إذا اختار ما ينافي الشريعة في دار الإسلام فإنه يؤمر ويُنهى ويعاقب على مخالفته أمر الله جل جلاله.
إذا نظرت مثلا إلى حرية الرأي فإن كثيرين حتى من المسلمين ظنوا أن حق الإنسان يجعل له أن يُدلي برأيه كيف يشاء، يدلي برأيه على أي وجه يختاره، وهذا ليس في شريعة الإسلام؛ بل إن المسلم في دار الإسلام؛ بل إن المسلم وغير المسلم في دار الإسلام ليس له أن يبدي من الرأي ما يبثّ في ****ة المسلمين أو يشكك في دينهم أو أن يكون ذلك الرأي رأيا شخصيا يعود على ****ة المسلمين بالضرر، وعلى هذا سار خلفاء الأمة؛ سار الخلفاء الراشدون.
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أتى رجل في المدينة يقال له صبيغ بن عسل لما أتى وقال أقوالا في القرآن وبثّها على أنها رأي من رأيه، أتاه عمر وعَلاَه بالدرة وضربه قال: كيف تجدك الآن؟ قال: يا أمير المؤمنين ذهب الذي كنت أجد في رأسي. فنفاه عمر عن المدينة حماية للناس.
وهذا أبو ذر رضي الله عنه وهو صحابي من الصحابة، لما خالف خليفة المسلمين عثمان بن عفان وأثار بعض الآراء التي له وهو صحابي من الصحابة، وأراد منه عثمان أن يكفّ فلم يسكت أبو ذر عن رأيه نفاه عثمان إلى خارج المدينة إلى الربضة ومات فيها.
وهذا معروف في التاريخ.
إذن حرية لرأي وحق الإنسان في إبداء رأيه ليس على إطلاقه في الشريعة، له أن يبدئ الرأي ما لم يبثّ ذلك الرأي في ****ة المسلمين؛ لأنه حينئذ تقدم المصلحة العامة -حقوق الإنسان المسلم بعامة- على حق ذلك الخاص في إبداء رأيه، إذْ إن الضرر المحدود الذي لا يتعدى صاحبَه فإنه أسهل، أما إذا كانت الآراء تبث وتغير الآراء العامة للمسلمين في دينهم وفيما أمرتهم به شريعتهم، فإن هذا لا يليق أن تمنح له الحريات، ولا أن يُجعل من حقوق الإنسان؛ لأنه إذ ذاك يكون معارضا لحق الله ومعارضا لحقوق المسلمين بعامة.
كذلك في الحقوق الأخرى عدُّوها حقوقا وهي من الحريات، فإذا كان كذلك فإن حق الإنسان لنفسه، حق الذات للذات هذا بإطلاقه ليس موجودا في الشريعة.
لكن إذا نظرت من جهة أخرى وجدت أنّ الإنسان المسلم بل وإن غير المسلم في دار الإسلام له حقوق كَثيرة كثيرة على ضابط الشريعة، فحقوق الإنسان عندنا مضبوطة بشرع الله مضبوطة بكتاب الله جل جلاله؛ لأن الإنسان مؤتمن وقد أوكلت به أمانة، ولذلك فإن عليه أن يرعى الأمانة إن عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها، وحملها الإنسان ?إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا?[النساء:58].
فإذن الإنسان ليس له حقوق مطلقة بل حقوقه متقيدة بالشريعة، ولو عقل الإنسان لوجد أن ما حباه الله الذي خلقه أكرم وأعظم له وأشرف له مما أعطاه غير الله من المخلوقين الذين يريدون مصالحهم، عقل ذلك من عقله ولم يعقل ذلك الأكثرون.
أيها المؤمنون: إذا نظرت في حق الإنسان في بلد الإسلام وجدت الشريعة جعلت للمسلم حقا على إخوانه، وجعلت له حقا على ولايته ودولته وجعلت له حقا أيضا في ماله وفي جيرته وفي عرضه، حتى إنه من عجائب الشريعة أنها جعلت له بعد وفاته حقا فأنفذت وصيته وأوجبت ذلك وجعلته مراعًا بعد مماته في أولاده ?إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا?[النساء:10]، حفظ الإسلام للمسلم بعد مماته عرضَه فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «لا تسبّوا الأموات فإنه أفضوا إلى ما قد قدموا»، وفي لفظ رواه البخاري «لا تسبّوا الأموات فتؤذوا الأحياء» فأيّ مكان للإنسان فوق هذا! يحفظ عرضه، ويحفظ ماله، وتحفظ جوارحه، ويحفظ كل حي وميّت عند الله جل وعلا في شريعة الإسلام، عِرض المسلم وماله حرام، دمه وماله وعرضه حرام حرام؛ لأن الله جل وعلا هو الذي يملك تلك الأشياء، وهو الذي يصرفها كيف يشاء جل وعلا، فحرّم دم المسلم على المسلم، وحرّم عِرضه، وحرّم أن يُتولى في ماله إلا بما هو أصلح له إذا لم يكن عاقلا محسنا للتصرف في ماله.
هذا أيها المؤمنون بعض حقوق المسلمين بعض حقوق الإنسان المسلم في دار الإسلام.
فماذا عن غير المسلم؟ مثلا في بلاد الإسلام غير المسلم:
إما أن يكون ذميا فله حقوق.
وإما أن يكون معاهدا مستأمنا -كما في بلادنا هذه في الجزيرة-؛ لأنه لا يقر النصارى فيها بالإطلاق، ولا اليهود فيها، ولا تقبل منهم فيها الجزية؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فإن أتى بعضهم على غير إقامة مستديمة بأمان فلهم حق الأمان.
فماذا تظن أن الشريعة جاءت لغير المسلم في دار الإسلام، إن الله جل جلاله جعل الشريعة في علاقات المسلم ***ره -مسلما كان أو غير مسلم ذلك الغير - جعلها منوطة بالعدل والإحسان ?إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ?[النحل:90].وقال جل وعلا في أولئك المستأمنين الذين لم يعادوا الإسلام وأهله ?لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ?[الممتحنة:8]، النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ربما زار جارا له يهوديا، وكان إذا طبخ في بيته طبيخ أهدى لجيرانه ولو كانوا من غير المسلمين تأليفا لهم وترغيبا، أيحل أن يستباح مال غير المسلم في دار الإسلام وفي دار العهد؟ لا يحل ذلك بل ماله محفوظ أدّ الأمانة إلى من إئتمنك ولا تخن من خانك، قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «من آذى معاهدا فأنا خصمه يوم القيامة».
ولو نظرت إلى حال أولئك من غير المسلمين في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي عهد الخلفاء الراشدين لوجدت أن حقوقه كاملة، ولكن هي حقوق ليست محض تصرفات وأوهام وأفكار؛ لكن حق أعطاهم الله جل وعلا إياه فليس لنا أن نعطي حق من نشاء أو أن نسلب حق من نشاء؛ ولكننا نسير على وفق شريعة الإسلام، فمن آذى معاهدا في دار الإسلام فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خصم.
حتى إن الفقهاء وعلماء هذه الشريعة قالوا: لو أغلق الكافر عليه داره في بلد الإسلام وأظهر شيئا من دينه في بيته، ولم يظهره للناس وشرب ال*** أو *** فإنه في داره مأمّن، وليس لنا أن ندخل عليه الدار ما لم يكن في ذلك إضرارا بالمسلمين وتعديا على المسلمين وضررا يلحق بأمة الإسلام أو يلحق بالمجتمع المسلم، فإذا كان في نفسه قد أغلق عليه داره فله حرمتُه؛ لكن ليس له أن يظهر شيئا من المعصية أو من الكبائر على المسلمين أو في شارع بلاد المسلمين؛ لأن الحق هنا يكون حقا للمسلمين يكون حقا عاما، وليس له في ذلك حق.
هذا أيها المؤمنون من كرامة غير المسلم؛ لكنه ذليل في هذه الدار والمؤمن هو العزيز، لهذا ترى أن حقوق الإنسان قد كفلها الشرع؛ لأن الشرع أعطى الإنسان حقه من جهة الرب جل وعلا، أعطاه لا بمحض تخرصا ولا بمحض مصالح بشرية وإنما هو من الله، الذي أعطى الخلق الحق الله جل جلاله، وهو الذي يعلم من خلق كما قال سبحانه ?أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ?[الملك:14]، وكما قال جل وعلا ?أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ?[المائدة:50].
إذا نظرت إلى حق الإنسان المسلم بل وغير المسلم في بلد الإسلام على دولة الإسلام وجدت أيضا حقوقا مختلفة له؛ لأن الله جل وعلا قال ?إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا?[النساء:58]، وهذا يشمل الجميع يشمل الحاكم والمحكوم، فالكل يجب عليه أن يؤدي الأمانة، فدولة الإسلام عليها أن تحفظ للمسلم حقه في ماله، فلا تسلب منه ماله، ولا تقيده في تصرفاته في ماله بأن تجبره على تصرفات في ماله لا يرضاها إلا في مصالح كبرى يسميها بعض العلماء المظان المشتركة، وهذه له بحث ليس هذا مكان ضبطه وتناوله، ولكن في العموم المسلم له حق على الدولة وليس لها أن تظلمه وليس لها أن تسلبه حقه في التصرف في ماله يتاجر في الحلال بما يشاء، فليس عندنا في بلاد الإسلام ما يسمى بالمؤسسات الرأس مالية التي يكون فيها أصحاب رأس المال الصغير أذلاّء لأصحاب رأس المال الكبير؛ بل يعطى هذا الفرصة ويعطى هذا الفرصة بخلاف البلاد الرأسمالية التي تكون فيها السيطرة وتكون فيها الغلبة ويكون فيها الأمر لأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة.
كذلك من جهة حقه في [التعليم] الذي يبحه الشرع ويجيزه كذلك من جهة حقه في تنقلاته، كذلك من جهة استعماله لكل حق شرعي أباحه له الله جل وعلا، فإن بلاد الإسلام وإن المجتمع المسلم؛ بل إن الدولة الإسلامية تعطي بذلك الحق، وهذا ولله الحمد من كرامة الله جل وعلا لابن آدم من كرامته للإنسان المسلم، ولو عقل الناس لعلموا أن العز كل العز في شريعة الإسلام، وأن الذل كل الذل في غير شريعة الإسلام.
من جهة أخرى أنظر إلى أولئك الذين تبنّوا في الظاهر هذه الكلمة التي لا يفهمها الكثيرون، وهي كلمة حقوق الإنسان، أنظر إلى أفعالهم، أفيكون حقا للإنسان أن يقتل الآمنون ****ات؟ أن يقتل لآمنون ألوفا؟ أن يقتل الآمنون بأكثر من ذلك؟ أيكون حقا لإنسان أن يجعل الإنسان ذليلا أسيرا في أيدي وفي تصرف أصحاب الأموال الكبيرة؟ أيكون من حق الإنسان أن يكون مكرما في بعض أجناسه وأن تكون بعض أجناس الإنسان ذليلة في نزعة عرقية بحتة؟ أيكون من حق الإنسان عند أولئك ليكون الإنسان نوع من الإنسان مرفوعا مبجلا دمه يساوي دم ملايين من البشر وأما دم الآخرين فلا يسوي شيئا؟
التناقض يعود على القاعدة بالبطلان، فأنتم أنظروا وحكموا لتعلموا أن العز كل العز في شريعة الإسلام.
لكن أيها المؤمنون: قد يكون القصور يأتي من جهة بيان الشريعة، من جهة أن الممكنين للشريعة لا يحسنون بيانها، أما الشريعة في نفسها فهي من الحق جل جلاله كاملة مبرأة من كل نقص وعيب، صالحة لإعجاز الإنسان كل الإنسان، ولإكرامه، صالحة لكل زمان ومكان؛ لكن المنتسبون للإسلام قد لا يعقلون الشريعة، وقد تكون أفهامهم تقصر عن علاج بعض الحوادث، وليس لعيب في الإطلاق إنما العيب في بعض أهله، فلتكن عزيزا بالإسلام ولتكن قويا به مدافعا عنه معتقدا قوي الاعتقاد أن الحق فيه وأن الباطل في غيره.

اللهم اجعل قلوبنا مطمئنة لدينك، اللهم نسألك أن تجعلنا من المنافحين لدينك وعن شريعتك، وأن تجعلنا ممن يقولون الحق ويبينونه.
اللهم مُنّ علينا بفهم صحيح للدين ومُنّ علينا ببيان شديد له.
اللهم من كان مهتديا فزده هدى، ومن كان ضالا اللهم فاجعله من المهتدين ومن عليه بعفوك وكرمك.
واستمعوا قول الحق جل جلاله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ?إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا?[النساء:58].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم
[الخطبة الثانية]
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، هو الداعي على رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا ونتم مسلمون، واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وعليكم بال****ة، فإن يد الله مع ال****ة، وعليكم بتقوى الله فإن بالتقوى رفعتكم، وإن بالتقوى فخاركم وإن بالتقوى، رضا ربكم عليكم، فاتقوا الله جل جلاله، واتقوه حق تقاته وعظموا أمره وعظموا نهيه.
ثم اعلموا رحمني الله وإياكم أنّ هذا الشهر شهر الله المحرّم فيه يوم سن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صيامه، ألا وهو يوم عاشوراء اليوم العاشر من محرّم وصيامه يكفر ذنوب سنة، فإن الله جل جلاله جعل لكم أيها المسلمون ما تكفرون فيه ذنوبكم بأعمال يسيرة، فأقبلوا على ذلك، وإنه لصيام يوم يسير وإن الصيام ليكفر سنة كما ثبت ذلك عن المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والأفضل لمن أراد صيامه أن يجمع اليوم التاسع من المحرم لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «لإنْ بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع» يعني مع العاشر من محرم، وهذه هذه هي السنة، وهو الأفضل لمن أراد أن يصوم، ومن أراد الاقتصار عن العاشر من محرم فإنه لا بأس بذلك ولا يُكره.
وإن الحديث أيها المؤمنون عن حقوق الإنسان في الشريعة وعن تفنيد الحقوق التي يدعيها أولئك الكفار والغربيون وغيرهم للإنسان، إن الحديث عليه طويل ولكن ما ذكرنا إشارات لعلها تكون مفاتيح لفهمكم أيها المسلمون لهذا الموضوع الخطير.
هذا واعلموا رحمني الله وإياكم أن الله جل جلاله أمركم بمر بد فيه بنفسه وثنى بملائكته فقال جل وعلا قولا كريما ?إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا?[الأحزاب:56]، اللهم صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر اللهم عبادك الموحدين، اللهم انصر عبادك الموحدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ودلهم على الرشاد، وباعد بينهم وبين سب أهل ال*** والفساد يا أكرم الأكرمين.
اللهم مُنّ عليهم بالبطانة الصالحة وبالمستشار الصالح الذي يعينهم إذا ذكروه ويذكّرهم إذا نسوه.
اللهم حبب إليهم فعل الخيرات ووفقهم، وزدهم الله هدى ورشادا يا كرم الأكرمين.
اللهم نسألك اللهم نسألك أن ترفع عنا الربا وال*** وأسبابه، وأن تدفع عنا الزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذه بخاصة وعن سار بلادنا بعامة وبلاد المؤمنين بعامة يا أرحم الراحمين.
اللهم نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويعافى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم إنا نسألك أن توفقنا قبل الممات بتوبة نصوح بها ترضى عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
عباد الرحمن: ?إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ?[النحل:90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على النعم يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.


pr,r hglsgl td hghsghl