مكانة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الله ورسوله والمؤمنين



إن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمنزلة رفيعة عند الله وعند رسوله والمؤمنين ، وقد أثنى الله عليهم في محكم كتابه ، وأخبر عن رضاه عنهم ورضاهم عنه؛ فمن ذلك قوله تعالى : { كنتم خيرَ أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف
وتنهون عن المنكر } ، وقال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمةً وسطـًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا } .

قال الخطيب البغدادي : ((وهذا اللفظ وإن كان عامـًا فالمراد به الخاص ، وقيل : هو وارد في الصحابة دون غيرهم)) .

وقوله تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحـًا قريبـًا } ، وقوله تعالى :
{ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } ، وقوله تعالى : { والسابقون السابقون أولئك المقرّبون في جنات النعيم } ، وقوله تعالى : { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من
المؤمنين } ، وقوله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانـًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون } .

والآيات في بيان فضلهم ومنزلتهم كثيرة .

وأثنى عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وبيَّن فضلهم في أحاديث كثيرة :

فمن ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم : ((خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قومٌ تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته))(1).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تسبوا أصحابي ، لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحدٍ ذهبـًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه))(2).

وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : ((لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة ـ يعني : مع النبي صلى الله عليه وسلم ـ خيرٌ من عبادة أحدِكم عمرَه))(3).

وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : ((إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوب العباد فاصطفاه لنفسه ، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه؛ فما رآه المسلمون حسنـًا فهو عند الله حسن ، وما رأوه سيّئـًا فهو عند الله سيء))(4).

وقال الإمام الطحاوي : ((ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نفرِّطُ في حبِّ أحدٍ منهم ، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم ، ونبغض من يبغضهم و***ر الخير يذكرهم ، ولا نذكرهم إلاّ بخير؛ وحبُّهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان))(5).

وقال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ بعد أن استشهد بآيات كريمة وأحاديث شريفة على مكانتهم وفضلهم :

((والأخبار في هذا المعنى تتسع ، وكلّها مطابقة لما ورد في نصّ القرآن؛ وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة ، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم؛ فلا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطِّلِع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلْق له؛ فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلاّ قصد المعصية؛ فيحكم بسقوط العدالة ، وقد برّأهم الله من ذلك ، ورفعَ أقدارَهم عندَه . على أنه لو لم يَرِد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين ، وقوّة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم ، والاعتقاد لنزاهتم ، وأنهم أفضل من جميع المعدلين المزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين .

هذا مذهب كافّة العلماء ، ومَن يُعتدُّ بقوله من الفقهاء))(6).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ : ((ومن أصول أهل السنة وال****ة : سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله به في قوله تعالى : { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } ، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ((لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهبـًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه)) ، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإ**** من فضائلهم ومراتبهم ... ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبّونهم ، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقولٍ أو عمل .

ويُمسكون عمّا جرى بين الصحابة ، ويقولون : إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ، ومنها ما قد زيدَ فيه ونقّص وغيّر عن وجهه ، والصحيح منه هم فيه معذورون : إما مجتهدون مصيبون ، وإما مجتهدون مخطئون .

ومَن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منَّ الله عليهم به من الفضائل علم يقينـًا أنهم خيرُ الخلْق بعد الأنبياء ، لا كان ولا يكونُ مثلهم ، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله))(7).



______________________
([1]) أخرجه البخاري : ( 62/ فضائل الصحابة ، 3650 ) من حديث عمران بن حصين
ـ رضي الله عنه ـ . ومسلم : ( 44/ فضائل الصحابة ، حديث : 4533 ) من حديث ابن مسعود ، ومن حديث عمران وأبي هريرة ـ رضي الله عنهم ـ .

([2]) أخرجه البخاري : ( 62/ فضائل الصحابة ، ح : 3673 ) ، ومسلم ـ واللفظُ له ـ :
( فضائل الصحابة ، ح : 2540 ) .

([3]) ((شرح الطحاوية)) ( ص : 532 ) ، قال الألباني : ((صحيح)) .

([4]) ((شرح الطحاوية) ( ص : 532 ) . قال الألباني : ((حسن موقوفـًا . أخرجه الطيالسي ، وأحمد ، وغيرهما بسند حسن؛ وصحّحه الحاكم ، ووافقه الذهبي)) .

([5]) ((شرح الطحاوية)) ( ص : 528 ) .

([6]) ((الكفاية)) ( ص : 96 ) .

([7]) ((الواسطية)) ( ص : 142 ـ 151 ) .


l;hkm Hwphf vs,g hggi wgn hggi ugdi ,sgl uk] hggi ,vs,gi ,hglclkdk