الكثير من المصادر الإسلامية تناولت القدس: تاريخَها ومنزلتها وفضائلها، سواءٌ أكان ذلك على صورة مؤلفات خاصة بالمدينة المقدسة، أم ضمن مؤلفات عامة.

والنوع الأول مثل: "فضائل بيت المقدس" لأبي العباس الوليد بن حماد الرملي (ت 300هـ تقريبا)، وبنفس العنوان لهبة الله بن صصري (ت 586هـ)، ولأبي الفرج بن الجوزي (ت 597هـ)، ولبهاء الدين بن عساكر (ت 600هـ).. وقال صاحب "كشف الظنون": "تواريخ القدس منها: إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، والأنس في فضائل القدس، والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، والجامع المستقصَى في فضائل المسجد الأقصى، وباعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس - وهو ملخص الجامع والروض المغرس في فضائل بيت المقدس - وفتوح بيت المقدس، وقدح القسي في الفتح القدسي، ومثير الغرام إلى زيارة القدس والشام..". وأما أمثلة المؤلفات الإسلامية العامة التي تعرضت للقدس، فمنها: "تاريخ الأمم والملوك" لمحمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، و"فتوح الشام" للواقدي (ت 207هـ)، و"كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة (ت 665هـ).. إلخ. الملاحظ أن هذه الكتب حين تتناول تاريخ القدس قبل الإسلام، تكتفي بسرد الروايات اليهودية حول صلة الأنبياء وعلاقة بني إسرائيل بهذه المدينة. وهذه المرويات اليهودية بها كثير من النقص والتحريف، وبالتالي لا يبدو التاريخ من خلالها دقيقا.
والمؤرخون المسلمون فعلوا هذا لأسباب منها:

أولا– لم يجدوا أمامهم مصادر تؤرّخ للقدس قبل الإسلام سوى ما جاء في مرويات بني إسرائيل.

ثانيا– لم يكن هنالك صراع على القدس وهويتها بين اليهود والمسلمين، حتى يمحص المسلمون المرويات، وينفوا الخطأ الكبير الذي شاع، وهو أن تاريخ القدس هو نفسه تاريخ اليهود!!

ثالثا– كان من عادة مؤرخي المسلمين المتقدمين أن يثبتوا المرويات كما هي، ومعها سندها، ولكن جاء بعدهم مَن لم يكتفِ بنزع الأسانيد، فروى هذه الحوادث بلا نقد، وكأنها جميعا تاريخ حقيقي لا يرقى إليه شك. نتيجة لما سبق انتشرت مجموعة من المرويات غير الصحيحة حول القدس وفضائلها، وكأن ما ثبت وتأكد بالقرآن والسنة من فضل هذه المدينة المباركة غير كاف!! وأغلب هذه الروايات المختلَقة تخص أماكن معينة من القدس بأنها هي التي شهدت الحادث الفلاني، دون أن تكون هناك رواية صحيحة تثبت هذا، ومن هذه الأماكن: وادي النمل (الذي شهد ما قصه القرآن من حكاية النملة مع جيش نبي الله سليمان)، ومحراب داود.. إلخ.

ويبدو أن الحرص على هذا الربط يرجع إلى عادة بيزنطةَ المسيحية في تقديس الأماكن التي يظنون – مجرد ظن لا تحقيق له - أنها ترتبط بأحداث في حياة المسيح عيسى (عليه السلام) حيث يبنون الأديرة والكنائس، فانتقل التأثير بصورة لا شعورية إلى غيرهم. قد أثبت المؤرخ الحافظ ابن كثير جذرًا مهمًّا لكثير من الاعتقادات الشائعة عند عامة المسلمين حول القدس، مثل أن هذا المكان هو واد في جهنم، وهذا موضع الصراط، وأن هذا هو كذا وكذا مما يتصل بأمور الآخرة، وليس لذلك أصل.. يقول ابن كثير - وهو يتحدث عن عظمة البناء الذي أقامه الأمويون فوق صخرة بيت المقدس: " وافتتن الناس بذلك افتتانًا عظيمًا، وأتوه من كل مكان، وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئا كثيرا مما في الآخرة، فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة وقدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووادي جهنم، وكذلك في أبوابه ومواضع منه، فاغتر الناس بذلك وإلى زماننا". ولا زالت هذه الأفكار ثابتة راسخة عند كثير من الناس إلى اليوم!!

معرفة عرب الجزيرة بالقدس قبل الإسلام

لم تكن أمِّية العرب في الجزيرة لتحول دون معرفتهم بالعالم من حولهم، فكانوا يعرفون الهند والصين ومصر والحبشة، ولكن معرفتهم بالشام والعراق كانت أوسع وأعمق، خاصة أن هاتين الجهتين استقبلتا الكثير من الهجرات العربية المتتابعة طوال التاريخ، وقامت فيهما وعلى أطرافهما ممالك عربية (المناذرة في الحِيرة والغساسنة في أطراف الشام) توالي الفرس والروم. كان عرب غرب الجزيرة أعرفَ بالشام ومدنها من العراق وحواضرها، ولم يكن قرب المسافة وحده هو الذي أنتج هذه العلاقة، بل كان نشاط التجارة بين غرب الجزيرة والشام أدعى لترددهم عليها، وطوافهم بأنحائها، فكانت قريش – مثلا – تعد قوافلها الصيفية لتتجه إلى الشام سنويا، فعرف الكثيرُ من القرشيين – وغيرهم من العرب – أحوال حواضر الشام ومدنها، خاصة الواقعة في الجنوب، ومنها إيلياء: بيت المقدس، وغزة التي "كانت وجه متجرهم"؛ أي مقصدهم في تبادل السلع والمتاجرة بأموالهم. قد حُفظت لنا بعض الروايات الصحيحة لدخول العرب بيت المقدس قبل أن يعم الإسلام الجزيرة العربية، ففي صحيح البخاري أن أبا سفيان بن حرب أخبر: "أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش (أي في صلح الحديبية عام 6هـ)، فأتوه وهم بإيلياء.."، وفي رواية لابن إ**** قال أبو سفيان: "فقال هرقل لصاحب شرطته: قلِّب الشام ظهرا لبطن، حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فوالله إني وأصحابي بغزة، إذ هجم علينا فساقنا جميعا..".
د.نبيل الفولي



hgr]s td w]v hghsghl