إنه قياس مع الفارق الكبير -والكبير جدًّا- أن يقاس بين حرِّ الدنيا وحرِّ الآخرة، وبين مشقة الصوم في يوم حارّ ومشقة يوم النشور، ولكنه كرم الله وفضله "يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى".

ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعًا، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم".

ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "فيكون الناس على أقدار أعمالهم من العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا".

هذا الكرب العظيم يدفعه عن المؤمن صدق إيمانه، وصدق التزامه بدينه، وحسن ظنه بالله سبحانه، وتقربه إليه بالصوم والصلاة وسائر العبادات والطاعات.. وهذا ما جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوصي عائشة فيقول: "من صام يومًا في سبيل الله بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا".

ولهذا ضاعف الله أجر الصائمين، وأجزل لهم الثواب.. فقد جاء في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي".

ولقد أشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مقام الصائمين الذين استعلوا على أهوائهم وغرائزهم، ولجموها بلجام التقوى، فقال: "إن في الجنة بابًا يُقال له الريَّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد".

ثم بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف أن الصوم يكون حجابًا بين صاحبه وبين النار، فقال: "ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا".

وعن ابن عباس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- على سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا القلاع في ليلة مظلمة إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة، قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه. فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبرًا. قال: "إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش".

وبيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف أن الصوم يشفع لصاحبه يوم الفزع الأكبر، فقال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربّ، منعته الطعام و****** فشفعني به، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني به. قال: فيُشفعان".

فليجاهد المسلم نفسه بالصوم، فإنه من أقوى عوامل تزكية النفس وتصفيتها لتقوى على المضيّ في طريق القيامة في حفظ من الله تعالى وأمان.


wl d,lh a]d] hgpv gd,l hgka,v