بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين القائل في مُحكم التنزيل عن اليهود والنصارى {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} والقائل عن اليهود {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} والقائل سبحانه عن النصارى {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} والقائل فيهم {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} والقائل فيهم {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين مُحمد وعلى صحبه وآله وسلم الذي صح عنه قوله: "أنا نبي الرحمة أنا نبي الملحمة" والذي صح عنه قوله: "ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني سمع برسالتي ولم يؤمن بها إلا كان من أصحاب النار" وبعد,

فإن الأمة الإسلامية والأفراد المسلمين للأسف باتوا لا يعرفون عن دينهم شيئاً فصاروا كما هو زمان الفترة والذي فيه تندثر آثار الرسالة والحجة البلاغية التي أنزل الله الكُتب وأرسل الرُسل من أجلها وهي توحيد الله ومحبته وموالاة أهله وبغض الشرك ومعاداة أهله وهذا هو معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" كما ذكر العلماء الربانيون[1]! وكل ذلك يعود إلى عدد من الأسباب..

منها: إنعدام الحُكم بما أنزل الله وتحكيم ورفع أحكام المُشركين وهو سبب رئيسي هام وذلك لأن الحكومات الأرضية الشِركية اليوم ترمي بالشيوخ الصادعين بالحق وبالتوحيد والعقيدة الصافية في السجون فيمسك الفتوى الرويبضةُ من مدعي العلم فيفتوا بالضلال فيضلوا ويُضلوا.. ويدوروا حيثما دار السلطان وأشار!! لا حيث ما يدور القرآن! ورُوي عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خذوا العطاء ما دام العطاء فإذا صاروا رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه يمنعكم الفقر والحاجة ألا إن رحا الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم قالوا يا رسول الله كيف نصنع قال كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله"[2], فداروا مع السلطان وهم عُلماء القصور والسلاطين والله المستعان!

ومنها: الغفلة عن تعليم التوحيد والعقيدة الخالصة لأهل السنة وال****ة والإلتهاء بأمور الأخلاق والأرزاق والأمور الفقهية –التي لا يفهمها كثيرٌ من الناس-!! والعلماء الربانيون الذين شُهروا بشيوخ الإسلام كالإمام المُجدد إبن تيمية –رحمه الله- وكالإمام المُجدد محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- شُهروا بالقتال والصراع والتضحية مِن أجل إفهام الناس العقيدة وخاصة التوحيد الذي كان دين كل الأنبياء –وهو الإسلام والإستسلام لله عز وجل بالخضوع والذل والإن**ار والإنقياد- قال الله سبحانه {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه: "نحن معشر الأنبياء أولات علات ديننا واحد" وهو قول الله سبحانه {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون} وكذلك فإن موسى –صلى الله عليه وسلم- وإن كان نبيَ خاصةِ بني إسرائيل ولكنه كان مُسلماً وكذلك عيسى –عليه السلام- وكذلك إبراهيم وغيرهم وكل الأنبياء! بل ووصف الله آل لوط المؤمنين بالمسلمين في قوله {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.. فإن الدين دينان: دين إسلام, ودين كُفر والدليل قول الله عز وجل {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ولم يُصنف الله صِنفاً آخر وهذا من مُحكم الكتاب لا مُتشابههِ ولله الحمد والمنة.. فلا يتكلم الدُعاة في أحكام التكفير بل ويُعرضون عنها أشد إعراض! حتى بات من الأمة رجالٌ ونساءٌ لا يُكفرون اليهود والنصارى بأعيانهم لعدم ثبوت شروط التكفير!!! ومِنهم من يكفر فيقول بأن اليهود والنصارى ليسوا كُفاراً!! وهذا أضل من الذي قبله! إذ الأول إعتقد كُفر الفعل لا الفاعل(بعينه) وهذا أيضاً كُفر بواح صريح ولكن الآخر –وهو الذي قال بأن العمل والفاعل ليسا كافرين- وهذا أكفر من الأول بوجوه.. وهذا كُله في أعناق طُلاب العلم والعلماء..

ومنها: بعض العلماء الذين يكتمون هذه المعلومات لكي لا تصير الدنيا فوضةً –زعموا!- وتُصرح ****ة التوحيد بالبغض والعداوة لليهود والنصارى وأهل المِلل والنِحل الأخرى!! وهذا من أعجب ما يخافون! ولِم يخافون ما إعتبره الله أسوة حسنة في قوله {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}؟ فالبراءة والبغضاء لمِلة الكُفر من الجوانب العملية للتوحيد وإخلاصه! ولِم يخافون ذلك ويحرصون على ذلك وهُم لا يحرصون على أهل مِلتهم مِمَن يكفر بعدم تكفيره لليهود والنصارى!! بل إن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قال فيما صح عنه: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام . فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه".. بل عد الخليفة الراشدي الصحابي عُمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أن تشغيل نصراني بالكتابة منهي عنه وهو من الموالاة الصُغرى!! كما نقل أهل التفسير في قول الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.. {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.

ولسنا نُريد أن نضيف المزيد من الأحكام المُتعلقة باليهود والنصارى وغيرهم من الكُفار ولكننا نود أن نُبين أمراً هاماً للغاية وهو أن من لم يُكفر اليهود والنصارى وسائر المُشركين فهو كافرٌ –لا يُعذر بجهل ولا تأويل- إلا أن يكون حديث عهد بإسلام أو نشأ ببداية بعيدة عن المسلمين أو أن يكون حاله أنه {أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}!

والدليل على ذلك:

أن التفريق في التكفير عند أهل السنة وال****ة كما الإمام المُجدد إبن تيمية –رحمه الله- وغيره كأئمة الدعوة النجدية المُباركة كانوا يُفرقون بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية[3]! كقول إبن قدامة –رحمه الله- بـ[المُغني] في الفقه الحنبلي أن الذي يجحد الصلاة ثم يعتذر بجهل أو بتأويل –وهو ناشئ أو نشأ بين المسلمين- فإنه لا يُعذر بإعتذاره! وكذا قاله الشافعي –رحمه الله- وكذلك إ**** الصحابة –رضوان الله عليهم- على قتال مانعي الزكاة قتال أهل ردة –كما أشار إلى ذلك الإمام المُجدد إبن تيمية رحمه الله وتابعه الإمام المُجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وغيره- وأن تأويلهم لمنع الزكاة مردودٌ لأنهم نشأوا بين المسلمين وهي من المسائل الظاهرة! والتحقيق أن المسائل الظاهرة يُمكن حصرها –على الأقل- 1) الشرك 2) مباني الإسلام الخمسة –الصلاة والزكاة والحج وصيام شهر رمضان- 3) أصول الإيمان الستة –الإيمان بالله واليوم الآخر والكُتب والرُسل والملائكة والقضاء والقدر خيره وشره- 4) النواقض العشرة التي نص عليها الإمام المُجدد محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله-.. وهذه المسائل الظاهرة لا يُعذر فيها بالجهل ولا بالتأويل إلا من نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين أو كان حديث عهد بإسلام! وهذا مما يُخرج المسلمين الذين نشأوا في بلاد الإسلام..

ومن هذه المسائل الظاهرة كما في النواقض العشرة للإمام المُجدد محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- الناقض الثالث (من لم يُكفر المشركين أو شك في كُفرهم أو صحح مذهبهم فقد كفر) وسبب كُفره أنه رد حُكم الله في كُفرهم وإمتنع عن إلتزامه! وهي من المسائل الظاهرة المتواترة المعلومة من الدين بالضرورة عند العامة والخاصة! مِما لا يُعذر فيها الجاهل والمتأول –الناشئ بين المسلمين والعائش معهم- وذلك لأن جهله يدل على جهل الإعراض لا جهل سواه..

ومعلومٌ أن الجهل بإعراض عن آثار الرسالة لا يُعذر فيه الجاهل.. قال الإمام المُجدد إبن تيمية –رحمه الله- عن العُذر بالجهل: (أما هذا العذر فإنه لا يكون عُذراً إلا بالعجز عن إزالته فمتى ما إستطاع المرء طلب الحق فأعرض فإنه لا يكون معذوراً)اهـ. وكلامه هنا –رحمه الله- في المسائل الظاهرة كتكفير اليهود والنصارى وغيرهم من المُشركين وأهل المِلل.. والعجز عن إزالة الجهل تكون فقط في عِدة أمور لخصها الإمام المُجدد محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- كما في [الدُرر السنية] حين قال: (فإن الذي لم تقم عليه الحجة؛ هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة. أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف. فلا يكفر حتى يعرف. وأما أصول الدين، التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه؛ فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة)اهـ. ففرق بين المسائل الظاهرة والخفية.. والخفية هي كل الأمور سوى الظاهرة كالجهل ببعض الأسماء والصفات وغيرها من الأمور التي يعلمها خاصة الناس من طُلاب العلم وأهله والله أعلم.


ولذا من لم يُكفر اليهود والنصارى بأعيانهم –فرداً فرداً- فهو كافرٌ بعينه لا يُعذر بجهله ولا بتأولٍ يتأولهُ –إن كان عائشاً بين المسلمين أو ناشئاً بينهم- {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}


وكتبه,

أبو إ**** الدبوري


10 شوال 1431 هـ

19/9/2010 م



[1] كالشيخ أبي محمد المقدسي –حفظه الله وفك أسره- حينما سأله أحد العلماء عن معنى (لا إله إلا الله)

[2] حديث ضعيف

[3] وأحسن من بين هذه المسألة الشيخ أبو العُلا راشد الراشد في كتابه [تكفير المُعين عند شيخ الإسلام وأئمة الدعوة]


lk gl dE;tv hgdi,] ,hgkwhvn ,hglav;dk tr] ;tv