والحمدلله رب العالمين

و الصلاة والسلام على أشرف المرسلين

سيدنا محمد وعلى من اتبع هديه إلى يوم الدين

أما بعد لقد قرأت موضوع أحد الأخوة الأفاضل يسأل عن حفظ القرآن الكريم

فأخرجت من مكتبتي المصغرة كتاب للشيخ الشنقيطي اسمه المساعد لحفظ القرآن الكريم

وطرح فيه عدة طرق تمكن من تيسير الحفظ على الحافظ واخترت منه تلك القواعد التسع

عسى ان ينتفع فيها ان شاء الله تعالى كل من كانت لديه الرغبة في حفظ القرآن الكريم وبسم الله نبدأ

القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم

إذا علم المسلم فضل حفظ القرآن الكريم ، و ما أعده الله تعالى من الجوائز لأهله ، و أراد أن ينضم إلى قافلة حفاظه ، يجب عليه أن يلتزم بهذه القواعد التي تساعده حتى يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته :

القاعدة الأولى: ( عليك بالإخلاص )

لأن كل جهد تبذله ، أو تعب تتعبه ، لن ينفعك بدون الإخلاص ، و مهما عظم هذا الجهد فإن ذلك لن يمنع الرياح من أن تحمله و تجعله هباء منثوراً إذا كنت تريد به غير الله تعالى .
كما أن العمل بدون الإخلاص معصية لله تعالى حتى ولو كان حفظاً للقرآن الكريم ، لأنك بهذا العمل الذي فيه رياء تخالف أمراً عظيماً جاء في قول الله تعالى : [ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعبُدُواْ اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ] البينة 5 .
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : { إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد ، فأتي به ، فعرفه نعمه ، فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال : كذبت , ولكنك قاتلت ليقال جريء , فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار , ورجل تعلم العلم وعلمه , وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفه نعمه ، فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته , وقرأت فيك القرآن , قال : كذبت , ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم , وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل وسع الله عليه ، وأعطاه من أصناف المال كله ، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما علمت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل يحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال : هو جواد ، فقد قيل : ثم أمر به فسحب على وجهه ، حتى ألقي في النار } رواه مسلم .

لهذا انتظر قليلا و أنت تمسك المصحف و تأكد أنك تنوي بعملك هذا وجه الله تعالى و الدار الآخرة ، و ليس م**باً مادياً ، أو جاهاً دنيويا يقول الله تعالى : [ مَّن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصلَهَا مَذمُوماً مَّدحُوراً (18) وَ مَن أَرَادَ الأَخِرَةَ وَ سَعَى لَهَا سَعيَهَا وَ هُوَ مُؤمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعيُهُم مَّشكُوراً ] الإسراء 18



القاعدة الثانية : ( اتق الله تعالى )
لأن الله تعالى يقول في كتابه الكريم : [ وَ اتَّقُواْ اللهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللهُ ] البقرة 282 ، فمن اتقى الله تعالى فعمل بالقرآن و التزم بما فيه ،،،
أعانه الله تعالى حتى يكون من أهله ، فالقرآن لم ينزله الله تعالى إلينا لكي نحفظه و نكتفي بذلك ،،،
و لكن أنزله إلينا لكي نتدبر في آياته ، و نعمل بأحكامه ، و نجعله دستوراً نغير به سلوك حياتنا ،،،
قالت أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – حين سئلت عن خلق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – { كان خلقه القرآن } ،،،
لهذا من أعظم الأشياء التي تساعدك على حفظ القرآن تقوى الله تعالى ، و العمل بالآيات التي تتعلمها .




القاعدة الثالثة : ( تخلق بأخلاق أهل القرآن )


هناك صفات و أخلاق لحفاظ القرآن يجب أن تتصف بها حتى تكون منهم ، أهمها الصبر ، و علو الهمة ، و المثابرة ، و قوة العزيمة .

و إذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجساد

فالطريق لكي تحفظ القرآن و تعمل به صعب و طويل ،،،

و منزلة أهل القرآن لا تنال مع النوم و ال**ل ، لأنهم لا يقفون عند حفظ رسم القرآن ،،،

و إنما يتعدون ذلك إلى التدبر في آياته ، و العمل بما فيه من تعاليم و أحكام .

[ وَمَا يُلَقَّهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّهَا إِلاَّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ] فصلت 35

إلا أن كل هذا التعب يصبح يسيراً ، و تتحول المشقة إلى راحة و سعادة ،،،

حين ينتهي السفر و يقطف أهل القرآن تلك الثمرة الحلوة التي لا يشاركهم فيها أحد .

قال الله تعالى : [ وَلَقَد يَسَّرنَا القُرءَانَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ ] القمر 17





القاعدة الرابعة : ( اجتهد في الدعاء )

نعم توكل على الله تعالى و اجتهد في الدعاء ، و لا تمل من كثرة سؤال الله تعالى أن يجعلك من أهل القرآن ، فمن أدمن طرق الباب لابد أن يدخل منه .

و الدعاء عبادة عظيمة يستطيع الإنسان أن يصنع بها ما يسميه الناس مستحيلا ،،،

بشرط أن يتأدب بآداب الدعاء و يبتعد عن موانع الاستجابة و لا يستعجل ،،،

قال الله تعالى لنبيه – صلى الله عليه وسلم – [ سَنُقرئُكَ فَلاَ تَنسَى ] الأعلى 6 ،

فالله سبحانه قادر على أن يجعل العبد يقرأ فلا ينسى .

اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله الحي القيوم

الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد و لم يكن له كفواً أحد ،

أن تجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك و خاصتك ، و أن تجعل القرآن قائدنا إلى الجنان ،

و شفيعنا حتى لا ندخل النيران ، برحمتك يا عظيم الجود و الإحسان ،

اللهم ذكرنا منه ما نسينا ، و علمنا منه ما جهلنا ، و ارزقنا تلاوته و تدبر معانيه ،

آناء الليل و أطراف النهار ، على الوجه الذي يرضيك عنا ، برحمتك يا أرحم الراحمين .




القاعدة الخامسة : ( أعط القرآن من حياتك )

الوقت هو الحياة ، و الحياة ما هي إلا مجموعة أوقات

دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق و ثوان

إذا كنت تحب هذه الحياة فأنفق منها في وجوه الخير حتى تنال البر ،

لأن الله تعالى يقول في كتابه : [ لَن تَنَالُواْ البِرَّ حَتَى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِّبُّونَ ] آل عمران 92 ،

و من أعظم أبواب الصلاح و الطاعة تلاوة و حفظ القرآن الكريم ،،،

فلا تبخل على وقتك بالقرآن ، مهما كانت أشغالك أو مهامك اليومية .

و اعلم أن ما تنصرف إليه من أمور الدنيا مهما كانت فوائده ، لا يعدل آية من كتاب الله تعالى .

قال أبو الوليد الباجي :

إذا كنت أعلم علماً يقيناً *** بأن جـمـيع حـيـاتي كـساعـة
فلم لا أكون ضنيناً بهـا *** و أجعلها في صلاح و طاعة






القاعدة السادسة : ( عليك بالبكور )


من منطلق قول النبي - صلى الله عليه وسلم – { اللهم بارك لأمتي في بكورها } صحيح الجامع .

أوصيك أولا بالمبادرة و البدء في حفظ القرآن الكريم ،،،

ثم أن تبدأ يومك دائما بحفظ شيء من القرآن الكريم ،،،

ليشملك دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم - ، و لكي تستفيد من صفاء الذهن ،،،

وراحة الجسد في هذا الوقت المبارك ، و قبل الانشغال بأمور الدنيا ،،،

قال الله تعالى : [ وَ قُرءَانَ الفَجرِ إِنَّ قُرءَانَ الفَجرِ كَانَ مَشهُوداً ] الإسراء 78 .

و في الحديث يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – { من صلى الفجر في ****ة ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة و عمرة تامة تامة } .





القاعدة السابعة : ( قليل دائم خير من كثير منقطع )


جاء في صحيح البخاري عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : { أحب الأعمال إلى الله مادام و إن قل } .

لهذا من المهم أن تزيد مقدار حفظك اليومي حسب طاقتك و لو كان نصف صفحه ،،،

و تداوم على ذلك يومياً كما تداوم على طعامك .

مع أهمية إعداد جداول تساعد على تنظيم مقدار الحفظ اليومي ،،،

و مقدار المراجعة اليومية ، و تعاهد ذلك بشكل يومي .

ملاحظة :

إذا كنت تحفظ من القرآن الكريم في كل يوم آية واحدة ،،،
فإنك سوف تكمل حفظه في أقل من ثماني عشرة سنة ،،،

و إذا زدت آية أخرى فإنك تحتاج إلى أقل من نصف هذه المدة و هكذا ...




القاعدة الثامنة : ( لا تستعجل )

بعض الناس يستعجل حفظ القرآن الكريم ، و يحرص على أن يتم حفظه في فترة زمنية قصيرة .

و هذا خطأ كبير لأن المهم في حفظ القرآن هو إتقانه ، و ليس الانتهاء منه بسرعة .

كما أن من يتجاوز صفحة من القرآن قبل أن يتقنها يتعب كثيرا في مراجعتها ،،،

فكيف بمن يتجاوز صفحات أو سوراً قبل أن يتقنها ، لا شك أن القرآن سوف يتفلت منه .

لهذا إذا أخذت درساً فلا تتجاوزه حتى يصبح تسميعه سهلاً عليك ميسراً ،،،

و هكذا الحال بالنسبة للسورة أو الجزء .

و إذا ألجأتك الضرورة إلى عدم تثبيت حفظ مقرر يوم من الأيام ،،،

فلا تتجاوزه في اليوم الذي بعده حتى تتقنه .




القاعدة التاسعة : ( لا تفكر في الفشل )

كل مشروع يمكن أن يفشل إلا مشروع حفظ القرآن الكريم فإنه لا يعرف الفشل ،،،

فلو قدر لأحدنا أن يبدأ في حفظ القرآن و لم يحفظ إلا آية واحدة ،،،

ثم انقطع فإننا لا نقول عنه قد فشل ، بل حقق جزء من النجاح ،،،

فحفظ آية يعني بكل فخر أنك وضعت في صدرك شيئا من هذا النور العظيم سوف يملؤه ،،،

و يجعله يشع ضياء ، إذا تدبرت فيها ، و جعلتها أمام عي*** دائما ، مع ما يتبع ذلك من الأجر و المثوبة ،،،

فالحروف التي كنت ترددها تستحق عليها من الحسنات كل حرف بعشر حسنات ،،،

و الآية التي حفظتها لك بها درجة في الجنان إذا حافظت عليها .

هذا فيمن حفظ آية فكيف فيمن حفظ آيتين ، أو ثلاثة ، أو أربعة ...

و إذا بدأ الإنسان و عزم على حفظ القرآن ، فإنه إما أن يحصل له ما يريد أو شيئاً منه ،،،

و إما أن ينتهي أجله قبل ذلك فيكتب الله تعالى له أجر نيته ،،،

و قد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – { إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل إمرء ما نوى } متفق عليه .

فحفظ القرآن مشروع لا يعرف الفشل ، لكن الفشل الحقيقي هو في عدم حفظ شيء منه ،،،

قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – { إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب } رواه الترمذي .

*****************

وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى ،،، وجعلنا من أهل القرآن وخاصته ،،،

وأسأل الله العلي القدير أن يجزي الشيخ محمد حبيب الله محمد الشنقيطي عنا خير جزاء ،،،

اللهم آمين ،،،


hgr,hu] hg`ifdm gpt/ hgrvNk hg;vdl