الســـــيدة هـاجـر



الســـيدة هـاجـر

*********************





هاجر شابة مصرية من بيت مُلك سقطت دولتها فأصبحت من بين وصيفات القصر الملكي ...
وقد ذكرتُ لكن أخواتي الكريمات في القصة السابقة ( قصة السيد سارة ) أن ملك مِصرَ وَهَبَ السيدة هاجر إلى السيدة سارة -زوجة سيدنا إبراهيم لتكون جارية لها عندما هاجرا إلى مصر. ولما أدركت السيدة سارة أنها كبرت في السن، ولم تنجب، وهَبَتْ هاجر لزوجها ليتزوجها، عسى الله أن يرزقه منها الولد.
وتزوج إبراهيم -عليه السلام- السيدة هاجر، وبدت عليها علامات الحمل، ثم وضعت إسماعيل -عليه السلام- ووجدت الغيرة طريقها إلى قلب السيدة سارة، فكأنها أحست أنها فقدت المكانة التي كانت لها في قلب زوجها من قبل، وبأمرٍ من الله، ولحكمة يريدها عز وجل، أمر سيدنا إبراهيم -عليه السلام- بأخذ زوجته هاجرو وليدها إلى صحراء مكة
وهناك.. فى صحراء مكة القاحلة.. حيث لا زرع ولا ماء.. ولا أنيس ولا رفيق.. تركها زوجها هي وليدها.. ثم مضى فى طريق عودته، وترك لهم تمرا وماء.
فنادته زوجته وهي تقول: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا فى هذا الوادي، الذى ليس فيه أنيس ولا شيء؟! فلم يلتفت إليها سيدنا إبراهيم ، وكأنه على يقين من وعد الله الذي لا يتخلف ولايخيب.
فقالت السيدة هاجر -وكأنها أدركت أن أمراً ما يمنع زوجها من الرد عليها-: آلله أمرك بهذا ؟
فرد سيدنا إبراهيم : نعم.
فتقول الزوجة التى آمنت بربها، وعرفت معنى اليقين بصدق وعد الله، وفهمت كيف تكون معينة لزوجها على طاعة ربها، تقول بقلب خاشع ومن غير تردد ولا قلق: (إذن فالله لن يضيعنا )
وانصرف إبراهيم -عليه السلام- وهو يدعو ربه ويقول (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) [إبراهيم/37-39]).

ونفد الماء والزاد، والأم لا تجد ما تروي به ظمأ طفلها، وقد جف لبنها فلا تجد ما ترضعه. فيتلوى الطفل جوعاً وعطشاً، ويصرخ، ويتردد في الصحراء والجبال صراخه الذي يدمي قلب الأم الحنون.
وتسرع الأم وتصعد على جبل الصفا، لتنظر أحدا ينقذها هي وطفلها من الهلاك، أو تجد بعض الطعام أو الشراب. ولكنها لا تجد فتنزل مسرعة وتصعد جبل المروة، وتفعل ذلك سبع مرات حتى تمكن منها التعب، وأوشك اليأس أن يسيطر عليها، فيبعث الله جبريل -عليه السلام- فيضرب الأرض بجناحه؛ لتخرج عين ماء بجانب الصغير، فتهرول الأم نحوها وقلبها ينطلق بحمد الله على نعمته، وجعلت تغرف من مائها، وتحاول جاهدة إنقاذ فلذة كبدها، وتقول لعين الماء: زمي زمي، فسميت هذه العين زمزم.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم (: "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت زمزم عيناً معيناً " [البخاري].

أختاه ... عندما تشربين من ماء زمزم تذكري أنه ليس كغيره من الماء فقد خصّه الله كذلك بخير كثير ولنتذكر عند شربنا منه السيدة هاجر أم إسماعيل , وكم قاسا من العطش قبل ظهور زمزم ، فلنروض أنفسنا على تحمل المشاق في سبيل الله في ميادين الجهاد والعمل لنصرة دينه عز وجل .
وأنتِ تشربين من ماء زمزم تذكري أختي الغالية أنه لا بد من الفرج بعد الشدة وتأكدي أن من سنن الله تعالى في الكون إن بعد كل عسر يسرا , فالليل مهما طال لا بد من الفجر . فثقي بربكِ القائل ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (9) ...

إنها أمنا هاجر، أم إسماعيل، وزوجة إبراهيم خليل الله - رضي الله عنهم جميعاً عرفت في التاريخ بأم العرب العدنانيين.
ومرت الأيام بطيئة ثقيلة، حتى نزل على هاجر وابنها إسماعيل بعض أناس من قبيلة "جرهم " وأرادوا البقاء في هذا المكان؛ لما رأوا عندها الماء، فسمحت لهم بالسكن بجانبها، ومشاركتها في الشرب من ماء زمزم، واستأنست بهم، وشب الطفل الرضيع بينهم، وتعلم اللغة العربية منهم، ولما كبر إسماعيل.. تعلق به قلب سيدنا إبراهيم وأمنا هاجر وابتلاهم الله تعالى ببلاء عظيم بسبب هذا الحب. فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه الوحيد إسماعيل. وإبراهيم يعلم أن رؤيا الأنبياء وحي.

انظري أخيتي...كيف يختبر الله عباده. وتأملي أي نوع من أنواع الاختبار. نحن أمام نبي قلبه أرحم قلبفي الأرض وأم حنون عطوف قاست الكثير لأجل ابنها .
اتسع قلب سيدنا إبراهيم لحب الله وحب من خلق فهذا الإبن جاءه على كبر.. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذبح ابنه وبكره ووحيده الذي ليس له غيره.
أي نوع من الصراع نشب في نفسه هذا الموقف الذي لا يخلو من الصراع ، صراع أثارته عاطفة الأبوة الحانية. لكن إبراهيم لم يسأل عن السبب وراء ذبح ابنه. فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره.
فكر إبراهيم في ولده.. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذبحه.. الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذبحه قهرا. هذا أفضل.. انتهى الأمر وذهب إلى ولده
(قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى).

انظري أخيتي ... إلى تلطفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة.. إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه وحي من ربه..
فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَاتُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).
تأملي أخيتي رد الإبن ... إنسان يعرف أنه سيذبح فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده (إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).
هو الصبر على أي حال وعلى كل حال.. وربما استعذب الابن أن يموت ذبحا بأمر من الله.. ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في حب الله. لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر.
ينقلنا الحق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض، وجهه في الأرض رحمة به كي لا يرى نفسه وهو يذبح. وإذا إبراهيم يرفع يده بالسكين فلا تذبح .. وإذا أمر الله مطاع. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير.. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) هذا هوالإسلام الحقيقي.. تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء.
عندئذ فقط.. وفي اللحظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره..
نادى الله إبراهيم.. انتهى اختبارك، وفدى الله إسماعيل بذبح عظيم -
وصار اليوم عيداً لقومٍ لم يولدوا بعد، هم المسلمون.
صارت هذه اللحظات عيداً للمسلمين. عيداً يذكرهم بمعنى الإسلام الحقيقي الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وهاجر عليهم السلام .
وايضا تضرب لنا السيدة هاجر مثلا رائعا فى ثباتها وتنفيذها لأمر الله ومجاهدتها للشيطان عندما همّ سيدنا إبراهيم بذبح إبنه إسماعيل تنفيذا لأمر الله له وكيف ظهر لها في صورة رجل ليحنن قلبها على إبنها لكيلا تنفذ أمر الله وكيف أنها رجمته بالحصى...

ونتذكر ذلك عند رمي الجمرات في منى حتى الان في مناسك الحج.
* في وداع هاجر رضي الله عنها :
هذه هي أمنا هاجر... أم الذبيح وأم العرب العدنانيين، رحلت عنا بعدما تركت لنا مثالا رائعا للزوجة المطيعة، والأم الحانية، والمؤمنة القوية ؛ فقد أخلصت النية لله تعالى، فرعاها في وحشتها، وأمنها في غيبة زوجها، ورزقها وطفلها من حيث لاتحتسب.
وقد جعل الله - سبحانه وتعالى ما فعلته السيدة هاجر - رضي الله عنها-
من الصعود والسعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج إلى يومنا هذا.
وقيل إنها توفيت وعندها من العمر 90 سنة، ودفنها إسماعيل -عليه وعليها السلام- بجانب بيت الله الحرام...

فرحمة الله وبركاته ورضوانه على أمنا هاجر اللهم ازقنا الأنس بلقائها في الفردوس الأعلى

اللهم اغفر لي ولوالديّ
وارحم والدي واعف عنه واصفح
واجعل قبره روضة من رياض الجنة
وأدخله فسيح جناتك من الفردوس الأعلى
واحفظ لي أمي وأعنّي على برّها يا رب
اللهم آمين

أختكم كلاشـــــــنكوف



hgsJJJJJd]m iJh[Jv