مَنْ لِلْحَقِ؟! وَمَنْ أَهْلُهُ؟!


هذا المقال كتبته منذ فترة، وأعيد نشره الآن لأهميته في هذه الأوقات العصيبة وما يحدث من ديكتاتورية القلة القابعة والمعتصمة في ميدان التحرير .


من خلف النافذة علا الصوتُ وارتفع، صوتٌ ينادي بالتغيير ها هو شبابُ مصرِنا أفاق وانتبه، استيقظ من غفلته، فرحَ القلبُ وعلَاهُ السرورُ، وأَحَبَّ أنْ يري تلك الجموع وتلك الصحوة، فتُِحَت النافذةُ فإذا بهم خلف علمانيٍ تربي في بلاد الحرية المزعومة، يهتفون خلفه: نحن جبهة التغيير، لا نرضي بالذل مصيرا. فإذا بي أغُلِق النافذة ويهيم قلبي نحو البلد الحرام، كيف كان النبي وصحبه؟ كيف تحولتْ جزيرة العرب من رأسٍ للشركِ إلي رأسٍ للتوحيد ونشره؟ ما الوسيلة التي اتخذوها سبيلاً للتغيير؟ ومن الذي قاد الركب؟ تساؤلاتٌ لابُدَّ من طرحها علي شباب أمتنا في صحوتهم. فأيَّ منهجٍ تتبعون؟ وأيّ رأسٍ توالون؟ وأيّ غايةٍ تنشُدون؟

لا شَكَّ أن كل منهجٍ يريدُ التغيير، ولم يقم إلا لعلمه بسوء الواقع، وهدفه في تغييره إلي ما يراه أحسن، وإلا لو كان قياسُ الأحسن والأسوء يتقيد بما استحسنه الشرع، وما عده مذموماً لانْحلّت الأزمة واتحدتْ تلك الجموع علي قائدٍ واحدٍ يقودهم بكتاب الله (سبحانه وتعالى) وسنة نبيه (صلي الله عليه وسلم)، وتوحدتْ الراية الإسلامية بكلمة التوحيد (فكلمة التوحيد سبيلنا إلي توحيد الكلمة)، لكن الأمرَ كما ذكرنا لا يتقيد بكتابٍ ولا بسنةٍ في كثيرٍ من تلك المناهج إلَّا من رحم ربي. فانتشرت مناهج التغيير، فمنها ما يري الإسلام الحَلَّ لما نحن فيه علي اختلافٍ بين المناهج الإسلامية نفسها في ترتيب الأولويات التي ننشدها للتغيير، ومنها ما يري الديمقراطية حلَّا علي خلافٍ بين أهل الديمقراطية المزعومة والحرية المشبوهة إلي غير ذلك من مناهج التغيير التي انتشرتْ علي الساحة الإسلامية المعاصرة، ونحن هنا لا نريد ذكر تلك المناهج فهذا قام به من هو أفضلُ منّا فوضَّح المناهج بالتفصيل وأولوياتِ كلٍ منها، لكننا ننصح الشباب بقدر ما نستطيع ونقول لهم: إلي أين الركب؟

لا يخلو أي منهجٍ من تلك المناهج من ثلاثةِ عناصر رئيسة وهي:

1- قدوةٌ يحتذي بها، وقائدٌ لذلك المنهج غالباً ما يكون هو المؤسسُ له والناشرُ له. فيا شباب الإسلام أي قدوةٍ تتبعون؟ مع علمنا أنَّ العصمةَ دفنتْ يوم دُفِنَ النبيُ (صلي الله عليه وسلم)، ومع علمنا أن الطاعة المطلقة لا تكونُ إلا لله ونبيه (صلي الله عليه وسلم) فلا معصوم بعد النبي، ولا طاعة مطلقة لأحدٍ غيره من البشر، لأنه لا يأمرُ إلا بما شرع الله، قال تعالي: " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" (النجم: 3). وكلُ طاعةٍ بعده مقيدةٌ بكتاب الله (سبحانه وتعالي) وسنة نبيه (صلي الله عليه وسلم) فإذا أمرنا أحدٌ بخلاف شرع الله نقول له: (لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق).
وإنَّ أَحَقَّ من يقتدي به هو نبينا (صلي الله عليه وسلم)، ثم صحابته الكرام (رضي الله عنهم)، بل إن سنةَ النبي (صلي الله عليه وسلم) وسنةَ الخلفاء الرَّاشدين (رضي الله عنهم) سنةٌ واحدٌ دل علي ذلك قوله (صلي الله عليه وسلم): "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" ..... الحديث. فالهاء في (عليها) ضميرٌ للمفرد وذلك دليلٌ علي أنها سنةٌ واحدةٌ لا اثنتين. ثم يأتي بعدهم التابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلي يوم الدين، لأنَّ هؤلاء جميعاً ما خرجوا عن سنة النبي (صلي الله عليه وسلم) وعن منهجه القرآني النبوي في التغيير والإصلاح والدعوة إلي الله، وكما قال سلفُنا الصالحُ: (من كان مستناً فليقتدِ بمن قدْ مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة). فعلينا إخواني أن نقتدي بسلفنا الصالح (رضي الله عنهم). فلننظر جميعاً في سيرهم العطرة، كيف ساروا في دعوتهم وفي تغييرهم الباطلَ إلي الحَقِّ؟ وفي هذا الهناء ورب السماء.

2- وسلةٌ للتغيير يقوم عليها المنهجُ يستقي منها قواعده وأصوله. فياشباب الإسلام أي وسيلةٍ تتخذون؟ تشعبت الوسائل وكَثُرتْ فمن مبدإٍ يري البرلماناتِ الوسيلةَ العُظْمي، وأول الأولوياتِ سبيلاً للتغيير، ومن يري الصِّدامَ المُسلح مع الحكومات المعاصرة الوسيلةَ العُظْمي، وأول الأولوياتِ سبيلاً للتغيير، ومن يري الدعوةَ الفردية وحدها الوسيلةَ العُظْمي، وأول الأولوياتِ سبيلاً للتغيير إلي غير ذلك من الوسائل التي يراها كل منهجٍ من المناهج الداعية إلي التغيير وقد خصَصْنا بالذكر المناهج التي تدعو بالإسلام وللإسلام تاركين باقي المناهج التي تري الديمقراطية والحرية المطلقة والتفلت من الشرع بدعوي التطور. نعم حتي الح** الوطني الديمقراطي يسعي للتغيير، فما بالكم وهو الح** الحاكم لا يرضي هو الأخر بالواقع ويسعي لتغييره، مع علمنا أنَّه لن يُغَيِّرَ إلا إلي الأسوء.
فما الوسيلة التي نرتضيها من بين تلك الوسائل كلها؟ ما الوسيلة التي توصلنا للتغيير المنشود؟ نقول إنَّ الإسلامَ دينٌ واحدٌ لا يتجزأ، قال تعالي: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً " (البقرة: 208). فالواجب علينا إذن العمل بكل تعاليم الإسلام لا أنْ نهتمَ بجانبٍ دون الأخر، فطلب العلم الشرعي من الإسلام، والدعوة إلي الله من الإسلام، والعمل ال****ي من الإسلام، والإسلام دينٌ شاملٌ لكل مناحي الحياة لا يختصُ بجزءٍ دون الأخر، قال تعالي علي لسان سيدنا إبراهيم (صلي الله عليه وسلم): " قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (الأنعام: 162). فالحياة كلها لله، فعلينا إذن أنْ نعملَ بكل ما ورد في الكتاب والسنة، وأنْ نجعلَ كل تلك الوسائل من باب خلاف التنوع الذي ين*** أن يحدث فيه التكامل، لا أن يحدث فيه البتر، فلا ننفرد بوسيلة ونترك الباقي، بل الواجب العمل بكل الشريعة لا بما نراه بعقولنا القاصرة هو الأفضل.

3- غايةٌ منشودةٌ من هذا التغيير، فكلُ منهج من مناهج التغيير حتماً لا يقومُ إلا لغايةٍ ما. فياشباب الإسلام أيُ غايةٍ تنشدون؟ ليستْ الغايةُ احتلالَ كرسيٍ في البرلمان، بل إنَّ الخِلافةَ في حد ذاتها ليستْ الغاية من التغيير، وإنَّمَا الغايةُ الحقيقيةُ من التغيير المنشودِ تعبيد الناسِ لربهم ومليكهم وأنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، والخلافةُ الإسلاميةُ أكبرُ وسيلةٍ لتحقيق هذا الهدف المنشود.
وإنَّ التمكينَ في الأرضِ لا يكونُ بيدِ بشرٍ من البشرِ، بل لم يملكه خيرُ البشر محمد بن عبد الله (صلي الله عليه وسلم) فالتمكينُ بيدِ الله وحده (سبحانه وتعالي) قال تعالي: " إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " (الأعراف: 128). فالأرضُ مِلْكٌ لله يورثها من يشاءُ من عباده، وتدلنا الآية علي أنَّ عبادَ اللهِ المتقين هم ورثةُ الأرضِ فلنحقق التقوي لله (سبحانه وتعالى) حتى يمكن لنا في أرضه.
ونحن لا نوجبُ علي الله لوناً ما للتمكينِ، وقد مَكَّنَ الله لبعض رسله بهداية قومه كما حدثَ مع سيدنا يونس (صلي الله عليه وسلم)، وهناكَ من مُكِّنَ لهم بإهلاكِ أقوامهم كرسول الله نوحٍ ولوطٍ (صلي الله عليهما وسلم)، وهناكَ من مُكِّنَ لهم بجهاد عدوهم وانتصارهم عليهم كما حدثّ مع نبينا الكريم (صلي الله عليه وسلم) فهذه طرقٌ مَكَّنَ اللهُ لرسله وللصالحين بها. فلا نوجبُ علي اللهِ طريقةً بعينها، فالواجب علينا هو توحيدً الله (سبحانه وتعالى)، وتحقيق التقوى له، والعمل بشرع الإسلام وبالدين كله، فإن رأي اللهُ منَّا خيراً مَكَّنَ لنا كيفما شاءَ (سبحانه وتعالى)، قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ لايُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " (الرعد: 11).

فياشباب الإسلام قدوتنا رسول الله وسلفنا الصالح، وسيلتنا كتاب الله وسنة نبيه والعمل بدين الإسلام كله، غايتنا إعلاء كلمة الله، وتعبيد الناس لربهم، والتمكين بيد الله (سبحانه وتعالى).

وأسأل اللهَ العظيم أنْ يُمَكِّنَ لهذا الدين القويم، وأنْ يهدينا وإياكم سواء السبيل، إنَّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

سبحانكَ اللهمَّ وبحمده، أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنتَ، استغفركَ وأتوب إليكَ.

كتبه الفقير إلي عفو الله ورحمته وفضله:

أبو حفصٍ السلفي (حفيد الصحابة) " علي منصور " .

الجمعة (الثالث عشر من شهر ذي الحِجَّة لعام 1431هــ، الموافق التاسع عشر من شهر نوفمبر لعام 2010م).




::: lk ggpr ? ! ,lk Higi ? ! :::